محمد بن جرير الطبري

169

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وخلقه لها . وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه والثوري عن علي بن بذيمة ، عن مجاهد في قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قال : علم من إبليس المعصية وخلقه لها . وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أي فيكم ومنكم ولم يبدها لهم من المعصية والفساد وسفك الدماء . وقال آخرون : معنى ذلك أني أعلم ما لا تعلمون من أنه يكون من ذلك الخليفة أهل الطاعة والولاية لله . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة . وهذا الخبر من الله جل ثناؤه ، ينبئ عن أن الملائكة التي قالت : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ استفظعت أن يكون لله خلق يعصيه ، وعجبت منه إذ أخبرت أن ذلك كائن ؛ فلذلك قال لهم ربهم : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ يعني بذلك والله أعلم : إنكم لتعجبون من أمر الله وتستفظعونه وأنا أعلم أنه في بعضكم ، وتصفون أنفسكم بصفة أعلم خلافها من بعضكم وتعرضون بأمر قد جعلته لغيركم . وذلك أن الملائكة لما أخبرها ربها بما هو كائن من ذرية خليفته من الفساد وسفك الدماء قالت لربها : يا رب أجاعل أنت في الأَرض خليفة من غيرنا يكون من ذريته من يعصيك أم منا ؟ فإنا نعظمك ونصلي لك ونطيعك ولا نعصيك ولم يكن عندها علم بما قد انطوى عليه كشحا إبليس من استكباره على ربه . فقال لهم ربهم : إني أعلم غير الذي تقولون من بعضكم . وذلك هوما كان مستورا عنهم من أمر إبليس وانطوائه على ما قد كان انطوى عليه من الكبر . وعلى قيلهم ذلك ووصفهم أنفسهم بالعموم من الوصف عوتبوا . القول في تأويل قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ قال أبو جعفر : حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بعث رب العزة ملك الموت ، فأخذ من أديم الأَرض من عذبها ومالحها ، فخلق منه آدم . ومن ثم سمي آدم لأَنه خلق من أديم الأَرض . وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : حدثنا عمرو بن ثابت ، عن أبيه ، عن جده أبو ثابت ، عن علي قال : إن آدم خلق من أديم الأَرض فيه الطيب والصالح والرديء ، فكل ذلك أنت راء في ولده الصالح والرديء . وحدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : حدثنا أبو أحمد ، قال : حدثنا مسعر ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، قال : خلق آدم من أديم الأَرض فسمي آدم وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا شعبة ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير قال : إنما سمي آدم لأَنه خلق من أديم الأَرض . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إن ملك الموت لما بعث ليأخذ من الأَرض تربة آدم ، أخذ من وجه الأَرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ولذلك سمي آدم ، لأَنه أخذ من أديم الأَرض . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يحقق ما قال من حكينا قوله في معنى آدم ، وذلك ما : حدثني به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن عوف ،